محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
314
الإنجاد في أبواب الجهاد
أن قتل كعب بن الأشرف قد كان وجب - لما آذى الله ورسوله - وجوب الحدود التي لا تندفع بالتأمين ، بل يجب إقامتها بكلِّ سبيلٍ ، ولهذا نبَّه عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم - : « فإنه قد آذى الله ورسوله » ، ويقال : كان كعب - لعنه الله - ممن لهج بسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهجائه ، وفاعل ذلك يُقتل على كل حال ، سواءٌ كان يُظهر الإسلام ويدَّعيه ، أو كان كافراً مستأمناً ، لا يعصمه شيء من ذلك عن القتل ، إلا أن يُبادر فيُسلم إن كان كافراً ( 1 ) ، ويُروى نحو هذا أو بعضه عن الطبري ، وقيل : إنه نقض عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهجاه وسبَّه ، وكان عاهد أن لا يُعين عليه أحداً ، فجاءه مع أهل الحرب معيناً عليه ، فوجب أن يُغْتالَ كالحكم فيمن نقض وقاتل ، وإليه ذهب المازري ( 2 ) ،
--> ( 1 ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في « الصارم المسلول على شاتم الرسول » ( 3 / 768 - 769 - تحقيق : الحلواني وشودري ) في ذكره طرق الاستدلال على تحتّم قتل الذمي والمسلم الساب ، في قوله - صلى الله عليه وسلم - : « من لكعب بن الأشرف ، فإنه قد آذى الله ورسوله ؟ » ، قال : « وقد كان معاهداً قبل ذلك ، ثم هجا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقتله الصحابة غيلة بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع كونه قد أمّنهم على دمه وماله ؛ لاعتقاده بقاء العهد ، ولأنهم جاؤوه مجيء من قد آمنه ، ولو كان كعب بمنزلة كافرٍ محاربٍ فقط لم يجز قتله إذا أمّنهم كما تقدم ؛ لأن الحربي إذا قلت له ، أو عملتَ معه ، ما يعتقد أنه أمانٌ ؛ صار له أمانٌ ، وكذلك كل من يجوز أمانه ، فعلم أن هجاءه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأذاه لله - تعالى - ورسوله ؛ لا ينعقد معه أمانٌ ولا عهدٌ ، وذلك دليلٌ على أن قتله حدٌّ من الحدود ؛ كقتل قاطع الطريق ، إذ ذلك يقتل وإن أُومِن كما يقتل الزاني والمرتد وإن أُومِن ، وكل حدٍّ وجب على الذمي فإنه لا يسقط بالإسلام وفاقاً » . اه ومعلوم أن كعب بن الأشرف كان له هُدنةٌ . قال السبكي في « السيف المسلول على من سبّ الرسول » ( ص 294 ) : « ومن ادعى أنه كان حربياً ؛ فلا علم له ، هذا متفق عليه بين أهل السِّير » . وانظر : « الأم » ( 4 / 199 - كتاب الجزية ) . وقال السهيلي : « في قصة كعب بن الأشرف قتل المعاهد إذا سبَّ الشارع ، خلافاً لأبي حنيفة » ، لكن اعترض عليه الحافظ في « الفتح » ( 7 / 340 ) بأنَّ كعب بن الأشرف كان محارباً ، استدلالاً منه بتراجم البخاري ، ويعارض هذا الاعتراض بما نقلناه عن السبكي من اتفاق أهل السير على أنه كان موادعاً . ( 2 ) انظر : « المعلم بفوائد مسلم » ( 3 / 29 رقم 848 ) للمازري ، « إكمال المعلم » للقاضي عياض ( 6 / 176 ) .